عبد الكريم الخطيب
1196
التفسير القرآنى للقرآن
وهكذا ينتهى أمر الناس ، برحمة عامة شاملة ، تنال البرّ والفاجر ، وتكسو المطيع والعاصي . ولترغم أنوف أولئك الذين يتألّون على اللّه ، ويؤيّسون الناس من رحمة ربّ الناس ، ويحتجزونها لأنفسهم ، حتى لكأنها لا تتسع إلّا لهم ، وأنه لو شاركهم فيها غيرهم لضاقت بهم ، وقلّ حظهم منها . . فهذا من سوء الظنّ باللّه ، ومن ضلال في الفهم لما لذاته من كمال مطلق . . « أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ؟ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ » . . ( 32 : الزخرف ) ومن أسرار هذا الختام للسورة بهذه الآية الكريمة ، أنها جاءت تحمل الرحمة والمغفرة - الرحمة الواسعة ، والمغفرة الشاملة - وبين يديها هذه الأحكام ، وتلك الحدود ، التي جاءت بها سورة « النور » التي تلى هذه الآية مباشرة ، وكأنها تبشر بالرحمة والمغفرة ، أولئك الذين تغلبهم أنفسهم ، وتستعلى عليهم أهواؤهم ، فيخرجون عن حدود اللّه ، ويواقعون الإثم والمنكر ! ! فسبحانك سبحانك من رب كريم ، غفور ، رحيم . . تعنو لجلاله الوجوه ، وتستخزى في مواجهة كرمه ، ومغفرته ورحمته ، النفوس ، ويستحى من عصيانه ، والتمرد على طاعته ، أهل الحياء ! وألا شاهت وجوه الذين يلقون رحمة الرحمن الرحيم بالتمرد والكفران . . وألا خسئ وخسر ، أولئك الذين يغريهم لطف اللطيف ، وإحسان المحسن بالتطاول عليه ، والعدوان على حرماته . . !